عبد القاهر الجرجاني

20

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )

ولست تجد هذا الضرب يكثر في شيء ، ويستمرّ كثرته واستمراره في كلام القدماء ، كقول خالد : " ما الإنسان ، لولا اللسان ، إلا صورة ممثلة ، وبهيمة مهملة " ، وقول الفضل بن عيسى الرقاشي : " سل الأرض فقل : من شقّ أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك ، فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا " . وإن أنت تتبّعته من الأثر وكلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، تثق كلّ الثقة بوجودك له على الصّفة التي قدمت ، وذلك كقول النبي عليه السلام : " الظّلم ظلمات يوم القيامة " ، وقوله صلوات اللّه عليه : " لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الغنى مغنما ، والصدقة مغرما " ، وقوله : " يا أيّها الناس ؛ أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلّوا بالليل ، والناس نيام ، تدخلوا الجنّة بسلام " . فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظا اجتلب من أجل السجع ، وترك له ما هو أحقّ بالمعنى منه وأبرّ به ، وأهدى إلى مذهبه . ولذلك أنكر الأعرابي حين شكا إلى عامل ألما بقوله : " حلأت " 1 " ركابي ، وشقّقت ثيابي ، وضربت صحابي " ، فقال له العامل : " أو تسجع أيضا " إنكار العامل السجع حتى قال : " فكيف أقول ؟ " ، وذاك أنّه لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ ولم يره بالسجع مخلّا بمعنى ، أو محدثا في الكلام استكراها ، أو خارجا إلى تكلّف واستعمال لما ليس بمعتاد في غرضه . وقال الجاحظ : " لأنه لو قال : " حلّئت إبلي " أو " جمالي " أو " نوقي " أو " بعراني " أو " صرمتي " " 2 " لكان لم يعبّر عن حقّ معناه ، وإنما حلّئت ركابه ، فكيف يدع " الركاب " إلى غير الركّاب ؟ وكذلك قوله : " وشقّقت ثيابي ، وضربت صحابي " . فقد تبين من هذه الجملة أن المعنى المقتضى اختصاص هذا النّحو بالقبول : هو أنّ المتكلم لم يقد المعنى نحو التجنيس والسّجع ، بل قاده المعنى إليهما ، وعبر

--> ( 1 ) الرّكاب بالكسر : الإبل التي يسار عليها ، واحدتها : راحلة ، ولا واحد لها من لفظها ، وجمعها " ركب " بضم الكاف مثل " كتب " وفي حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الرّكاب أسنتها " أي : أمكنوها من الرعي ، وأما قوله : ( حلأت ركابي ) فيقال : حلأ الإبل والماشية عن الماء تحليئا وتحلئة : طردها أو حبسها عن الورود ومنعها أن ترده . ( 2 ) الصّرمة بالكسر : القطعة من الإبل ، قيل : هي ما بين العشرين إلى الثلاثين ، وقيل : ما بين الثلاثين إلى الخمسين والأربعين ، فإذا بلغت الستين فهي : " الصّدعة " ، وقيل : ما بين العشرة إلى الأربعين ، وقيل : ما بين عشرة إلى بضع عشرة .